أبو الليث السمرقندي

418

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ولكن تفسّحوا وتوسّعوا » . قرأ نافع وابن عامر وعاصم في إحدى الروايتين انْشُزُوا بالضم للشين ، والباقون بالكسر وهما لغتان . يقال : نشز ينشز يعني : إذ قيل لكم انهضوا يعني : قوموا لا تتثاقلوا ، ويقال : انْشُزُوا يعني : قوموا للصلاة وقضاء حق أو شهادة فانشزوا يعني : انهضوا . ثم قال : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ يعني : من كان له إيمان وعلم ، وكان له فضائل على الذين يقومون وليس بعالم . قال الضحاك : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وقد تم الكلام . ثم قال : وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ يعني : لأهل العلم درجات ، أي : الذين أوتوا العلم في الدنيا ولهم درجات في العقبى . قال : وللعلماء مثل درجة الشهداء ، وقال مقاتل : إذا انتهى المؤمن إلى باب الجنة ، يقال للمؤمن الذي ليس بعالم : ادخل الجنة بعملك ، ويقال للعالم : أقم على باب الجنة واشفع للنّاس . وقال ابن مسعود : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ على الذين آمنوا منكم ولم يؤتوا العلم درجات . ثم قال : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ من التفسح في المجلس وغيره . قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ يعني : إذا كلمتم الرسول سرا ، فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً يعني : تصدقوا قبل كلامكم بصدقة . ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ يعني : التصدق خير لكم من إمساكه ، وَأَطْهَرُ لقلوبكم وأزكى من المعصية . فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا ما تتصدقون ، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لمن لم يجد الصدقة . وذلك أن الأغنياء كانوا يكثرون مناجاة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ولم يمكنوا الفقراء من سماع كلامه ، وكان يكره طول مجالستهم وكثرة نجواهم ، فأمرهم اللّه تعالى بالصدقة عند المناجاة ، فانتهوا عن ذلك ، فقدرت الفقراء على سماع كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلم ومجالسته . وقال مجاهد : نهوا عن مناجاة النبي صلّى اللّه عليه وسلم حتى يتصدقوا ، فلم يناجه إلّا عليّ بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - قدم دينارا تصدق به وكلم النبي صلّى اللّه عليه وسلم في عشر كلمات ، ثم أنزلت الرخصة بالآية التي بعدها وهو قوله : أَ أَشْفَقْتُمْ يعني : أبخلتم يا أهل الميسرة أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ ؟ فلو فعلتم كان خيرا لكم ، فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتكرهوا ذلك ، فإن اللّه تعالى غني عن صدقاتكم . وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ يعني : تجاوز عنكم . فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ، فنسخت الزكاة الصدقة التي عند المناجاة . وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما يأمركم به وينهاكم عنه . وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ من الخير والشر والتصدق والنجوى . [ سورة المجادلة ( 58 ) : الآيات 14 إلى 19 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 14 ) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 15 ) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 16 ) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 17 ) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ ( 18 ) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 19 )